الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

32

نفحات الولاية

لفطاحل الشعراء تؤخذ دون الحاجة إلى سلسلة الأسانيد ، فان هذا الأمر يجري على مضامين نهج البلاغة بما يجعله غنياً عن تلك السلسلة ، وحقيقة الأمر أنّها تحمل أدلتها معها « قضايا قياساتها معها » . نعم هناك محور صغير في النهج قد عنى ببعض الأحكام الفرعية التعبدية ، فإن كان من حديث عن السند ، أمكن اقتصاره على هذا المحور والذي لا يشكل قطعاً عشر كتاب نهج البلاغة . ونخلص من هذا إلى عدم جدوى هذه الضجة المفتعلة بشأن أسانيد النهج ، وهى زوبعة جوفاء عديمة الأثر . 2 - بغض النظر عمّا سبق ، فإننا لا نرى من عقبة في هذا الأمر حتى وإن اعتمدنا المعايير المتعارفة لحجية السند بالنسبة لنهج البلاغة ؛ وذلك لأنّ المعيار الأصلي لقبول الحديث والرواية - على ضوء ما فرغ منه في علم الأصول وبرهن في محله - إنّما يتأتى الوثوق بها من طرق مختلفة ؛ فأحياناً يحصل الوثوق بالرواية من خلال سلسلة السند وثقة الرواة ، كما يحصل أحياناً أخرى مثل هذا الوثوق بواسطة كثرة الرواة - وفي الكتب المشهورة والمعتبرة - ، وأخيراً قد يكون مضمون الرواية على درجة من العمق والرصانة على أنّه إنّما صدر من النبي صلى الله عليه وآله أو الإمام المعصوم ؛ الأمر الذي يجعلنا نثق بهذه الرواية وهذا ما ذكروه بالنسبة لزبور آل محمد صلى الله عليه وآله الصحيفة السجادية ( إلى جانب الاسناد المعتبرة التي أوردها بهذا الشأن ) ، بفضلها ضمت أدعية رفيعة سامية ذات مضامين عميقة صدرت عن الإمام السجاد علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام . ولا شبهة ولا ريب أن من يتمعن في خطب نهج البلاغة ويتدبر مضامينها ويتأمل أسرارها ، فانّه لا يملك سوى الاذعان بأنّ مثل هذه الكلمات محالة الصدور عن الإنسان العادي وأنّها لم تصدر سوى عن النبي صلى الله عليه وآله أو امتداده الإمام المعصوم عليه السلام . وعلى حد تعبير كبار علماء الفريقين : « إنّ كلامه فوق كلام المخلوقين ودون كلام الخالق » . وبناءً على هذا وعلى ضوء بزوغ الشمس دليل على وجودها ، فان مضمون نهج البلاغة دليل على اعتبار سنده وصدوره عن المعصوم عليه السلام ، واننا لنوقن بذلك على أنّه لم ينسب لمعصوم سوى لعلي عليه السلام . فمن ذا الذي يحتمل أنّه صدر من فرد عادي ثم نسبه لعلي عليه السلام ؟ ! إذا كان مثل هذا الابداع أو حتى عشر من أعشاره فلم لا ينسبه لنفسه ويفوز بهذا الشرف ؟ وناهيك عمّا تقدم وعلى ضوء ما نعرفه عن شخصية « السيد الرضي » ووثاقته وعلو مقامه ، فإننا نقطع بأنّه لم